من بلاد الشرق بذرة..
إسمها شق الغيوم
قبل مولدها هنيه
ذاقت الأرض السموم..
بين ويلات حروب
وصراعات تدوم
جاءت الوردة تنبت
بين أحجار الصحاري
تنحت الأرض جذورا
تبغي قولاً ...
من ألوم ؟
يتبع ..
لم يجد الصمت لغة أخرى للحديث سوى ذلك الصرير المتصل الخافت كذبالة في طرف شريط. يوشك إحتراقة على الكمال، تزداد حدته إلى صفير مزعج يَصم. يلتف حول أذناي كطريدة جُرحت بعد شقاء المطاردة. إنتهت فوق مروج السهل ظافرة بنجاتها من أنياب الوحش. تحمل بضع طعنات مقوسه، تنزف اليأس وتحمل روحها إلى المجهول كما يحمل المطلوب للثأر كَفنهُ. إستلقت كموضع مخلب غير تام الإستدارة. القطع الناقص يقع خلف رأسها، هناك حيث تأتي الخواطف على حين غفلة. إزداد صرير الصمت بشكل متسارع ثم إنتهى كل شئ بغته، ينتهي الصريرعادة بٱغراق تام في مياة ضحلة بلا كثافة نوعية تُميزها. تطفو على سطحها الأصوات الطُفيلية، تغزو رأسي من جميع ثغراتها بلا تمييز لحاسة دون أخرى حيث يتحول وجهي للاقط لكل ما أكره.
أيا ربي ..لماذا البرد يقتلنا !
يُدَوِر فينا في صمت على ثغر
يبحث فينا عن بقايا الضعف
يمضي من جبين الرأس بالحمى
إلى المبتور من طرف.
يوزع اللثغات على الخيمات
يطوف ف البلدات .. مهجورة!
يطارد الناجين في الطرقات
يمرر في صغار الروح ما يكفي
من الرجفات .. !
أيا ربي ..أليس البرد مَجبورُ ؟
فلا روح به تعبث ولا نفس بها خُور
ولا حتى لعطب العقل مأسور.
لماذا البرد يقتلنا ..
يحاكي قاتلا مأجور
يناضل فينا كما المأمون على عَقد
يذيل في نهايته رَسم لطاغية
ِ
يقاتل كما المجنون بلا فقد
يظن العرش من أهلة ..
وأن الحاكم المعزول كما الموتور
يعاهد الشيطان جهرا ..
يَحشد الغربان حوله
يجعل الزهرات تبدو كالبثور
- امسح برفق نثرات النور على جبين الطفل، إنه الخلاص لكي يبقى.
- لكن..!
- الماضي قادر على ذبحه، يمرر نصل الذكريات على عنقه ثم ينحنى بحركة استعراضية.
- إنتهى ..!
(قبل مُضىّ عمر طويل..)
هل يرون ما أرى ؟ لا أظن !
نظراتي الموزعه بين الشمس وزجاج النافذة، تصنع اطيافا زرقاء تتراقص في خفه، أتابعها إلى أن تزول فتختفي، أنتقل للشمس وأعود للنافذة، تكراراً غير ممل لظاهرة خُلقت لي وحدي، لن أخُبر أحداً. كان صادماً حينما عَلمتُ أن أحدهم يشاركني، الجميع على وجه الدقة عدا الفاقدين للشغف. لم أعد أتطلع للضي ونسيت. وجدت في الأمر المنبوذ راحه، لم تعد الطبيعه تقوى على إحراجي، أن تكون بلا ماضٍ كالمنعمون في الجحيم.
***
الفقد حقيقة، الفراق حقيقة، ولهما الألم وعليهما النسيان. الجهاد معهما أحق أم نسيانهما أولى ؟ تجلي للضعف أم إستلاب للإنسانية، هل لنا أن نحزن بدوام، أم لا يستحق الأمر عناء. هل نجى نوح بعد مصابه و يعقوب بما في صدره، وزكريا قبل النَشرْ ويحيى بلا رأس.
تساؤل ..؟
خُلق الإنسان -بلا إكراه - حراً، يلمس هذا الشئ أو يرى ذاك فَيُكبل !
تتدفق رغماً عنه حكايا، يتبدد أمر النسيان المزعوم، تتطاير صحف الماضي ككتاب البعث العارف بالراحه المقصودة ولا لصاحبه قُدره.
***
يوما ما كان قصيراً بدرجة تجلب الخجل، تسحبه أياديهم للخلف دوماً،يرفع وجهه في تأفف ثم يعود، ليس عدلاً !
مازالت روحة ترقد في محراب الشغف لذا كان يسبقهم، أطرافهم تلحقه في جمود ليضعوا أجسادهم كالموتى الأحياء في الفراغ المتخلف ويرددون "الله أكبر"، كان حريصاً على التواجد، بدأ يكره ترديدهم، يشعر أنهم لا يدرون مثله، فقط ماضيهم !
وقف يومها، قسمات وجهها تراصت معلنه عن أمر التحدى وردد..
إمنحني ماضياً أطول، أطول بلا نسيان.
***
ما الحسيات الإ ذكرى !
" بتصرف "
***
إكتنفت الظلمة فراغات صدره، تحققت رؤياه، ونال ما إعتقد أنه أراد، إستحال الى سايبورغ أخر، ينخر الأرق في عظامه الهشه، يبحث عن النسيان في الخلايا الميته لكن اللعنة أصابتها لتتجدد بعد كل فناء. إنحدر جسده صعوداً في مقامات الفقد، درجه تلو الأخرى ولا ينسى، يبحث رغم خفوت النور عن ذلك الأثر. يهز رأسه بانتظام كقارئ درويش لاتصيبه هنات السحرة والسائرين على دربهم، يواصل بحثه ويغمغم "أثر الفراشة"، تمنى المس منه وهو يذكر حيناً محدداً عن كل ما يمتلئ به فِيه عقله، يوم أن طلب مدداً وتلقاه، ما ظن أن المنع مطلوب ! يَتوق لسر الزمان في المداواة.
***
كيف يَشِيخ طفلاً ؟
فليرى الأهوال ولا ينسى.
***
وعر طريقها أعاق تقدمها، إفترشت في إستسلام سطح ندوب غير ظاهرة، إنعكس عنها بريق، لمع وإختفى كأن لم يكن، أخرى حاولت كتائه في ساح وغى، دُفع إليها في غير أمر، أمن في خوفه، مستتر في قيود ساتر مؤقت يتلقى عنه بضع رصاصات.. يتسائل هل الأمر يستحق المجازفة !
إندفعت في يأس المحاصرين خارج المدينة. رُفعت الأسوار قبل بلوغها، رايات المُتقدمين تهتز فوق سراب الرصيف الشرقي وأبواقهم المميزة تُعلن النفير..
حواف زرقاء لأطراف يد كبصمة سكنى سيبيريا قطعت أفكارها البائسه، مصيرها لم يختلف كثيرا عن سابقتها. الأخاديد المنتشرة في وجه العجوز إبتلعتها في صمت الرقرقة، رقرقة المجتمعين على هوامش موطن المرُتحلين، تتبعها نهنهة متألم كهمهمات الصباح بلا كفاء من نوم حول شيخ العمود في صحن الأزهر صبيحة ليلة وطء الخيول.
ﺟﺎﻥ ﻓﺎﻟﺠﺎﻥ ﻟم يعد ذلك البائس الرمزي، فقد قدرته الكبرى على نقض أنفسنا. إستجداء الرعدة في الجسد الدافئ، الدمعه الفضية على الجفون البيضاء تحت شبيه الجليد، الغائب عن آراضينا الحاضر في طبقات قلوبنا. رفاهية الإختيار لم تعد في حقائب البؤساء، لهم تعاطف السُرج المضاءة في صقيع ليالي الشتاء، وأنسة وقع خطوات منفرد في خالي الطريق وفقط، فيهما إنقطاع لحظي لأشد أفكارهم سوداوية
معاملات البؤس في إزدياد، تجلس في قارعة الطريق، تجاهد يوماٌ بعد يوم في إقناع ذرات النفس بالاستقرار، والدوران حولها مع جسدها المتموضع في أقل الوحدات المساحية الممكنة، أغطيتها الرثه، تعلق أطرافها المعرضة للبرد بعبوات المناديل الورقية على امتداد الذراع وانحناء الرأس يأساً أو خجلاً وغالباً إرهاقا، لم تكف عن قبض عضلات وجهها وضم ثنايا الوجه الداله على ذهاب العمر، كانت تفعل وتنتظر ، تتمنى لو يتوقف فيض الماء المنساب فيمنعها عناء الجهد المبذول لئلا يلحظها أحدهم فيشعر بالاشفاق نحوها. التألم لها في نظراته يسكب على جراحها الكحول. يقتلك العوز عندما يُشعرك به الآخرون.
ألطف الأقدار تتساقط من مأرب اليأس بعد إنهيار دفاعاته. تتابع اللسعات الخفيفة على الماره في جزع، تهدأ رغم البلل ! تلملم آشياءها الصغيرة في حيرة بين الفرحة الباهظة الثمن والالهاء المجاني للمتطفلين ، هكذا لن يلحظ أحدهم وجودها، لن يرى هائم موزع للنظرات الزائغه دموعها. سيهتم بالاسراع ليتقي فضول من هو أعلى منه في سلسلة القوى، هنا ستنضم ملكيتها الخاصة لدموع السماء المقسمه گأرزاق العامه وتبكي بلا خوف أو حرج.
الإنسان المار إعتاد أن يراها مثلي، إستنكاره لوجود مثلها هي تحديداً إختفى ! بثيابها السوداء الدالة على الحقبة الزمنية القادمة منها، رفيقاتها أغلبهن إفترشوا الثرى واستطاروا به من البرد، وهي مازالت على عهدها..
جهاد تنبئ به قسماتها في شقاء.
لا أعلم سبباً منطقيا جعلني أتفحصها تلك المرة رغم مروري المتكرر، أظنها لحظات الفراغ الزمني المنسية حتما بعد ساعات - ضحية التعود- ، أو الرغبة في نسيان حادث قريب.
هل دموعها الجافة دورية بوجودها هنا خلف عمود الرصيف أم مجرد ذكرى عابرة إقتضت منحها مزيدا من البؤس فوق زادها !
تلاقى الأسى منها والعجز الساكن في صدري بعد ضربات القدر الموجعه على قلوب الصغار مثلي، غياب يد الكهل الُمربته في أناة تمسح هموم العالم الموحش، ذكرتني بجدتي :) على غير موعد وأعادت لي إحساسي بجمال الشيخوخة بعد أن طمسها المسوخ لاعقي حذاء القاتل بالتفويض وعجلت بيوم يشيب الولدان، حين قُلت إن كان خلقي جاء على نصفين فلابد أن هناك جزء أقدم، أكبر عمرا، قادر على إحتواء الآخر، فليبكي أحدهما وليربت الشيخ فيهما.
إضافة : اللهم كن للمُعذَبين بجنودك، المأسورين فوق تلال البرد، تحيطهم جدران الوحشة والبُعد خلف أسوار الطواغيت.